زكي مبارك
56
عبقرية الشريف الرضي
هذا ودجلة ما بيني وبينكم * وجانب العبر غير الجانب الخشن ( 1 ) وكانت هذه القصيدة آخر ما مر بسمع الصابي من الطيبات ، فقد مات بعد قراءتها بأيام . وقد رأيتم أن هذين الصديقين كانا يتقارضان الشكاية ، فإن تجمل الصابي شكا عنه الشريف ، وإن شكا الصابي واساه الشريف ، وما ندري كيف استطاع الشريف أن يسكت على قول الصابي في وصف الزمان . وغادرني خلف المضاجع راهنا * على خلة في الحال والنفس والبدن ولكني أرجوكم أن تتذكروا أن الرضي كان فقيرا وأن أملاك أبيه ظلت محجوبة عنه إلى ذلك الحين . لم يبق أيها السادة إلا أن نحدثكم عما صنع الشريف بعد موت الصابي ، وكل أديب يعرف أن الشريف رثى الصابي بقصيدة جيدة بلغت اثنين وثمانين بيتا ، وكل الذين ترجموا للصابي أو الرضي تحدثوا عن تلك المرثية الهائلة ، وكان وجه الغرابة أن يبكي شاعر من عترة الرسول رجلا من الصابئين ، وقد فصلت ذلك في كتاب النثر الفني فلا أعود إليه الآن ، ولكن الذي يجهله أكثر الأدباء أن الشريف لم يرث الصابي مرة واحدة فقد ظل يتفجع عليه إلى آخر حياته ، ورثاه بعد أن طال العهد بموته بقصيدتين هما آيتان من آيات الوفاء . وأعيذكم أن تجهلوا هذا الجانب من نفس الشريف ، فالشعراء في الأغلب يرثون أصدقاءهم يوم الموت ، ثم يتناسونهم فينسونهم بعد حين ،
--> ( 1 ) العبر بالكسر وبفتح الشاطئ .